spacer
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, ومرحبا بكم في الموقع الرسمي لرابطة الأئمة في اسبانيا

spacer
 

الخلاصة RSS

لم يتم تحديد رابط التغذية الإخبارية.
 
مسألة النقاب والحجاب هي رأس جبل الجليد للمعركة الدائرة في أوروبا طباعة إرسال إلى صديق
مقالات وبحوث
الكاتب المشرف   

في هذا الحوار الذي خصّ به موقع "هسـپريس"، قبل قدومه إلى المغرب بعد أيام (27 مايو الجاري)، يتحدث المفكر المعروف، الدكتور خالص جلبي، عن رأيه حول "معركة النقاب" التي تشهدها بعض البلدان الأوروبية، وعن نع بناء المآذن في سويسرا، ويتحدث عن العنصرية والعنف وأشياء أخرى.. لنتابع...

* محاولة فرنسا صدّ وفرملة وتحجيم الاتجاه الإسلامي هو مثل الذي يريد وقف دورة القمر وشروق الشمس.


* إن ما يدفع الإسلاميين في الزحف إلى أوربا مجموعة من العناصر، وعلى رأس القائمة مسألة الحريات.


* المشكلة التي تورطت فيها فرنسا وأوربا، هي السماح بنمو غيلان الديكتاتوريات في العالم العربي بدون تقليم الأظافر والأنياب لوحوش السيرك.


* مسألة النقاب والحجاب، هي رأس جبل الجليد للمعركة الدائرة في أوروبا.


* يجب على المسلمين أن يتحدوا مع قوى الحرية في فرنسا؛ فيقولوا لجنود ساركوزي ومن والاه، أن المسألة تدور حول الحريات.


* بين المسلمين والفكر الإنساني الخالص مسافة المجرة أندروميدا..


* بين مجانين أهل الدنمارك والمتعصبين من المسلمين عرق من الجنون ونسب خفي لا يشعر به أحد.


* قانون كلب (الضيعة)، إن رجعت إليه هجم وإن تركته تركك، شيء ينطبق أيضا على كلاب الكاريكاتور في الدنمارك..


* لو أن سلمان رشدي التعيس والكاريكاتور الدنماركي القميء سُكت عنه وأُهمل لما انتشر كل هذا الانتشار.


* الكفَّار يعطوك الجنسية في ثلاث سنين، وإخوانك في الدين واللغة والتاريخ، لا يعطوك الجنسية ولو بقيت ثلاثين سنة بين ظهرانيهم.


* المسلمون حينما يعيشون في الغرب ينقلون معهم أمراضهم فيعيشون في شرانق يغزلونها من أوهامهم.


***************************

سؤال : دكتور جلبي، نبدأ أولا بما يسمى "معركة النقاب" التي تشهدها بعض البلدان الأوروبية حاليا. كثير من المسلمين يعتبرون بأن الأمر يتعلق بحرب على الإسلام وليس على النقاب، كيف تنظرون إلى هذه القضية؟


كتبتُ عن معركة النقاب والمساجد ومكبرات الصوت وإليك رأيي في الموضوع:

معركة النقاب في باريس


في عيد العمال العالمي من عام 2010  م جُنَّت باريس مرتين؛ المشرعون الفرنسيون والأصوليون من المسلمين حول النقاب، فأصبحت عقوبة المرأة التي تضع النقاب فتبرز العينين من المحجرين 15  ألف يورو والحبس سنة؟ بما يرفعها إلى مستوى الجنايات، وبالمقابل لايزداد اتجاه التدين إلا تشددا وغلوا، فقد رُفعت قضية على شاب جزائري قد تزوج من أربع فتيات فرنسيات، وأنجب منهن (درزن) من الأولاد؛ فهو يتعيش براتب مجزي من الدولة الفرنسية، التي تعين العوائل والأولاد بمال مخصص للأطفال، وهو نظام أعرفه من ألمانيا في رحلة التخصص حيث كان يأتيني راتب إضافي للأطفال، في مجتمع يتناقص وينقرض، مقابل  كثرة أولاد الأجانب.

لقد أصدرت مجلة در شبيجل الألمانية في أحد أعدادها في صورة الغلاف مع العلم الألماني وقد ارتسم فوقه الهلال الإسلامي، معلنا عن تحول ألمانيا إلى جمهورية إسلامية! فعدد الألمان يتناقص، وعدد الأتراك يزداد، وسيكون عدد الأتراك عام 2030 م أكثر من سبعة ملايين من الأنفس. ويقال أن بعض المدن مثل آخن اختلت فيها النسبة جدا بين الألمان والمسلمين، وهو مايذكرني بمونتريال في كندا، فبعد لعنة الاضطهاد السياسي في بلدان الشرق الأوسط، زحف الكثيرون من الهاربين يبحثون عن مأوى لعائلاتهم في الغرب؛ فألقوا بأنفسهم بين الدببة القطبية وسناجيب شجر القيقب، في أحضان الثلج والبرد والبعد، طمعا في حياة أفضل.

وهذه الهجرة تحمل معها الثقافة، وهي المشكلة التي تورطت فيها فرنسا وأوربا، بالسماح بنمو غيلان الديكتاتوريات في العالم العربي بدون تقليم الأظافر والأنياب لوحوش السيرك، فجاءهم (الهاربون) كأنهم جراد منتشر من جملوكيات الرعب والبطالة والفقر والقذارة إلى عقر دارهم في حركة مقلوبة.

إن فرنسا والدول الأوربية عموما تجدف ضد التيار، فنسلها ينقرض والوضع الديموغرافي ينقلب لصالح انتشار الإسلام، وحاليا في فرنسا تعتبر اللغة العربية الثانية بعد الفرنسية فلا يخش عربي سائح من الضياع؟

ولن يوقف شيء هذا المد العرمرم، ومحاولة فرنسا صد وفرملة وتحجيم الاتجاه الإسلامي هو مثل الذي يريد وقف دورة القمر وشروق الشمس.

إن ما يدفع الإسلاميين في الزحف إلى أوربا مجموعة من العناصر، ولكن في رأس القائمة مسألة الحريات، وكل مؤتمر أو نشر فكر حر أو مجلة مهمة فهي هناك في أرض الضباب والبرد، وحاليا يهرب إلى الغرب كل قلم حر الفكر، فيأخذ الجنسية السويدية، أو من الدومينيكان كما أعرف ذلك من صديق لي، وهناك من أخذ الجنسية الأرجنتينية ولم يبق فيها سوى ساعة، وهناك من تزوج فتاة أسبانية على الورق مقابل تأمين الإقامة، وهناك من بقي أياما معدودات في كندا وحصل على الجنسية، وهي أمور تعرفها الحكومات المعنية، ولكنها تقول سوف أحظى بأولاده من بعده، والآن أمواله..

وفعلا فقد أنفقنا من الأموال جبلا من ذهب، حتى حصلنا الهجرة وجواز السفر، ومعها شعور الأمان من جملوكيات الخوف والبطالة.

إذن مسألة النقاب والحجاب، هي رأس جبل الجليد للمعركة الدائرة هناك. ويجب على المسلمين أن يؤكدوا على المسالة التي جعلتهم يفرون من بلادهم إلى بلاد الحريات والديموقراطيات؛ الحرية ...

وعليهم أن يتحدوا مع قوى الحرية في فرنسا؛ فيقولوا لجنود ساركوزي ومن والاه، أن المسألة تدور حول الحريات، وفي قناعتي ـ ومن أجل إسقاط أي قانون ظالم ـ أن تمشي مظاهرتان من النساء، كما فعلت بنكهورست عام 1912م من أجل تحصيل حق المرأة في الانتخاب، واحدة تلبس الحجاب الكامل تحديا للقانون، والثانية تلبس الأمر مقلوبا بشبه عري، حتى يرى المجتمع الفرنسي أن القضية تدور حول الحريات أكثر من الثقافات واللباس خلعا ولبسا..

حملة لمنع بناء المآذن في سويسرا !


أرسل لي مراسل هيئة الإذاعة السويسرية (سويس انفو) القسم العربي مرتاعا عن حملة قام بها اليمين لمنع بناء المنارات بجنب المساجد؟!

قال الرجل في تساؤله إن حملة ضمت توقيع 113 ألف سويسري لحمل الحكومة على قرار منع بناء المآذن.

ومضى الأخ في خيالاته أن الدور قادم على المساجد!!

وهذا يعني أن إقامة الحجارة أهم من مخيم الأفكار والطوب أهم من القلوب.

ولأن المسلمين حين يبنون المساجد يرفعون المنارات فينشرون الذعر بين الأوربيين، بمساجد هائلة تهبط عليهم ببراشوتات من سماء البترودولار كما قال جارودي يوما، وأن الأفضل للأوربيين الدخول إليهم ليس من النوافذ ولا من بارشوتات المآذن بل الفكر الإنساني الخالص.

وبين المسلمين والفكر الإنساني الخالص مسافة المجرة أندروميدا..

فأجبته أنه لو أردت رأيي لربما مشيت باتجاه عدم بناء المساجد، وليس المآذن، لأنها تثير هلع الأوربيين ولا تنفع المسلمين.

وأنا شخصيا أميل إلى بناء مراكز إسلامية متواضعة جدا، كما فعل المصطفى ص ببناء مسجده من سعف النخيل وأرضه من رمل، وبدون منارة!!

وهي في سويسرا لا مانع بكرتون وخشب بسيط مضغوط، بشرط العزل الجيد والأناقة الخفيفة والجمال والتواضع حلية المتقين.

ومن المهم قدرته على احتواء أكبر عدد من المهتمين، وليس على غرف هائلة، وسقف من رخام ومرمر، وسقف عليها يعرجون، وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين.

ومن المهم في هذه المراكز عدم إزعاج الجوار بأصوات توقظ الموتى وترعب الأيقاظ ، وتضع كل ذات حمل حملها، كما هو الحاصل عندنا فيصدم المؤذن الآذان بـ 140 ديسبل، مما يهدد بشق غشاء الطبل والصيوان وتفجير عظيمات السمع، بصوت مجلجل لا يوصف بالجمال، ثم مواعظ مرعبة عن عذاب القبر، ومنكر ونكير، وكأنهم عناصر التعذيب من فرع مخابرات فلسطين.

ثم قصص مفتراة ملفقة عن حوريات الجنان، وكأننا في كباريه في هامبورغ أو بيروت أو مركز الإباحية في كيل شمال ألمانيا عند السيدة بيآتيه..

وعلينا القيام بدعوة إنسانية بين الغربيين في التبادل الثقافي، أكثر من الوعظ من طرف واحد، فلهم دين ولنا دين، ومن المهم فهم شروط الفعالية عندهم لنقلها إلينا، أكثر من نشر نموذج شرقي بين أظهرهم، مشلول أعرج أبرص أصم أعمى ؛ فنزيدهم خبالا فوق الخبال..

ومن تعاطف معكم انطلق من مبادئ التسامح التي نادى بها من قبل جان لوك قبل 300 عام منذ انفجار عصر التنوير في أوربا، والقضاء على الإقطاع والكنيسة، وبزوغ العمل والأحرار ورأس المال والصحافة والبرلمان والمراقبة المتبادلة بين مجتمع السنوريات عفوا البشر.. الذين يتبعون أهواءهم لا يلوون..

ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن..

ولذا كانت الديمقراطية والمراقبة المتبادلة هي سفينة النجاة، وإيانا والمراهنة على طيبة الإنسان، وهو من عالم السنوريات.. فلا أمان له إلا المراقبة.. ومن راهن على التقوى فإن له معيشة ضنكا..

ولو أراد المسيحيون أن يبنوا في السعودية كنيسة لدكت الأرض بهم دكا  أليس كذلك؟!!

العبرة في المفاهيم الإسلامية إذن هي نقل الجيد والايجابي أكثر من رفع شاهق الحجارة، كما أراد فرعون يوما أن يبني صرحا يبلغ الأسباب، ومحاولة تنقيح التراث من مفاهيم خطيرة؛ تتعلق بالمرأة والمساواة، وحق الآخر في البقاء، وخرافة حد الردة، وأسطورة المحرم وتحريم الفن والموسيقى، وما شابه من المعوقات القاتلة، التي تحرر منها السويسريون منذ أمد بعيد؛ فلعلنا إن تتلمذنا على أيديهم تعلمنا منهم، لأن الجهل ليس عيبا بل الاستكبار عن التعلم..

وسيصرف الرب عن طريقه كل متكبر جبار..

الآذان ومكبرات الصوت


في بلدة (القامشلي) التي نشأت فيها كنت أنتشي بسماع الآذان من بعيد ينطلق من فم المؤذن مع نسمات الصباح بصوت رخيم فنلبي النداء. وأجمل ما كنت أسمعه فأميزه المؤذن التركي من جامع (قاسيون) في دمشق. كان لحنا خالدا ينساب إلى قوقعة الأذن بلطف، ويسري تحت الجلد مثل الكهرباء تقشعر له جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله.

واليوم مع (مكبرات الصوت) لا تبعد عن غرف النوم أكثر من خمسة أمتار يرتعب الأطفال وتكاد طبلة الأذن أن تثقب ويزعج المرضى في المشافي ـ ولو عند السحر ـ من طبقة صوت كقذائف المدفعية تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا يستطيع أحد أن يناقش أو يعترض وإلا كان شيطانا مريدا.

كنت أتمتع يومها بالصلاة في المسجد الكبير خلف الإمام وحفظت الكثير من الآيات من فمه، وكان للمسجد يومها منارة بسلم يصعد المؤذن إلى أعلاها ويؤذن وهو يدور في دائرة بلكونية في قمتها.

ويذكر (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) كيف تصرف المجتمع الإسلامي في موضوع النداء للصلاة، فاستعاض عن صناعة الأجراس وملحقاتها بأداة بسيطة للغاية هي (الصوت الإنساني).

والمهم فقد بقيت المئذنة تؤدي وظيفتها في استخدام الصوت الإنساني حتى جاء عصر (الآلة) أي مكبرات الصوت، وهنا لم يعد المؤذن بحاجة للصعود إلى أعلاها ويكفي تركيب الجهاز فوق رأسها، كما لم يعد هناك حاجة إلى تركيب منارة مكلفة بدرج حلزوني من داخلها بل تقام المآذن بدون أدراج. فقد أصبحت المآذن والقباب رموزاً إسلامية.

ومع دخول (الآلة) دخلت (المشكلة) وكما حدث مع حوادث السيارات وظهور قوانين تنظم المرور وضوابط في السيارة من الحزام والصيانة، كان يجب أن يحدث نفس الشيء مع آلة الآذان.

وهذا الموضوع جدا حساس لأنه يتعلق بالدين ودعوة الناس للصلاة ولكن لابد من طرقه لإيجاد أفضل السبل للتعامل مع الآلة الجديدة.

والصوت حينما يكون رخيما شجيا بطبقة صوتية مقبولة على بعد مقبول انشرحت له النفوس وإن زاد عن حده وارتفعت طبقته عن الحد الطبيعي أصبح مرضيا ومزعجا ومنفرا فهذه هي قوانين العضوية. وليس من فراغ أن أدبنا القرآن أن لا نرفع أصواتنا بقوله واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير.

وفي مكبرات الصوت ارتفع الصوت إلى طبقة مخيفة مقلقة يكاد المرء أحيان أن يخشى على طبلة الأذن من الانثقاب، ومعروف عن حاسة السمع أنها شديدة التأثر فإذا بلغت طبقة الديسبل درجة عالية أدت إلى صمم لا فكاك منه،  فالموضوع جد وليس بالهزل.  ولكن لا يتجرأ أحد فيعترض فيواجه  بقوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وهو ليس كذلك، وهنا لم يبق مكان للعقل والمعقولية والمناقشة بل تحول إلى إرهاب ديني يختبئ تحت نصوص غير موجودة.

وشرح هذا أن من أراد أن يصلي فليصل فلا يشترط اقتحام خصوصية الناس وإجبارهم على استماع كل أصناف الكلام أرادوه أم لم يريدوه تحت شعار الدعوة إلى الله. وهي لا تزيد عن مفاهيم اجتهد فيها أحدهم. قد يبتعد فيها أو يقترب من الحق، ولكن الأكيد فيها هو أنها مزعجة للناس باقتحام آذانهم غصبا عنهم.

وفي أكثر من دولة عربية يتم حالياً تدارس فكرة أن يكون الأذان في وقت واحد على نحو موحد. وهذا يشبه فكرة إنارة المدن بالكمية اللازمة للإنارة بدون إفراط وتفريط. وبالطبع فإن قسما من المتشددين سيعتبر أن هذا ضد الدين وإفسادا في الأرض. ولكن الدين بهذه الطريقة يتحول إلى أداة إرهاب دينية لا يمكن مناقشتها. ومكبرات الصوت إلى ملوثات بيئية. 

وحينما يكون في مساحة مائتي متر مربع أكثر من  أربع مساجد على رأس كل منارة أربع مكبرات بقوة 120 ديسبل ينقل خلالها كل همسة وهمهمة ودمدمة ودرس وصلاة على الأموات وصلاة كسوف وخسوف ومواعظ جهادية وخرق جماجم الناس بالقوة بالعشي  والإبكار، فهو هنا أكثر من دعوة للصلاة، كمن يصرخ لرجل بجانبه لا يحتاج لأكثر من الهمس ما لم يكن أطرشاً. وليس كل الناس اطرشا، والأطرش يعالج بجهاز في الأذن المصابة وليس إزعاج كل من حول الأطرش. ثم إن الساعة حلت مشكلة التوقيت. والأذان شرع للتوقيت. وأقم الصلاة لذكري.

إن هذه المسألة تذكرني بمعركة نشبت بين أنصار التحديث والمحافظة على السنة في نجد قبل أربعين سنة حين جاءت مكبرات الصوت لأول مرة فاعتبروها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وليت الأمر نجح وبقي الصوت الإنساني، ولكن مشكلة صراع القديم والجديد لا يبق عند مكبرات الصوت وإلا لبقينا نركب البرذون ونحلب النوق والمعز واعتبرنا أن الجن تنقل التلغراف. 

سؤال: في موضوع آخر، تعرض رسّام الكاريكاتير السويدي (لارس فيلكس) الذي نشر رسوما كاريكاتورية قدحية في حق النبي محمد عليه الصلاة والسلام لاعتداء أثناء إلقاء محاضرة في جامعة سويدية، وأحرق جزء من منزله لاحقا. كيف تنظرون إلى هذه التصرفات التي يواجه بها المسلمون "خصومهم " في الغرب؟

كتبت عن ذلك وإليك رأيي:

قصص مسلية من الدنمارك


فان جوخ طعن في بطنه بسكين فمات؛ بسبب رسوم الكاريكاتور في الإساءة للنبي، ومع شتاء 2008م ألقي البنزين من جديد فوق الحريق فأعيد نشر رسوم الكاريكاتور بالضحك على الأنبياء، وكل ما يتصل بالمقدس وإهانته بدعوى حرية التعبير، ويبقى هذه المرة اغتيال رؤوساء كبريات الصحف منصة جاهزة؟

وفي القرآن كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لايحب المفسدين.

وبين مجانين أهل الدنمارك والمتعصبين من المسلمين عرق من الجنون ونسب خفي لايشعر به أحد، وملة القتلة والساخرين موجودة في كل منصة وحارة.

وفي القرآن تحذير أن لايسخر أحد من أحد عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولانساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن.

وحين ضرب النبي في الطائف جاءه رجل من نينوى فعطف عليه وأعطاه عنقود عنب، فقال لقد فعلوا مثل هذا بأخي الصالح يونس. فالأنبياء ملتهم واحدة والأقوام ملتهم واحدة، كما جاء في سورة إبراهيم، وهمّت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.

وتوينبي عرف كلا من المؤرخ الجبرتي وابن خلدون؛ فقال عن الأول كان عنده حس حضاري، حين انتبه إلى المرافعات القانونية وأصول المحاكمات في قضية اغتيال سليمان الحلبي كليبر خليفة نابليون في مصر، أكثر من فرقعات البارود ولعب النيران التي كان يوقدها الجنود الفرنساوية.

كذلك انتبه توينبي إلى ابن خلدون من تراثنا بأن عمله يعتبر أفضل عمل من نوعه أنتجه أي عقل في أي مكان وزمان.

وهكذا يتعامل العلماء بين بعضهم بالاحترام والاعتراف، وبين الجهلة في السخرية والهمز واللمز، وويل لكل همزة لمزة.

وأنا شخصيا يأتيني ألوانا من هذا فأعامله على قانون كلب (الضيعة) إن رجعت إليه هجم وإن تركته تركك، وهو شيء ينطبق أيضا على كلاب الكاريكاتور في الدنمارك..

وأفضل شيء للفت النظر مد اللسان كما فعل آينشتاين في الضحك على نفسه والناس، حين لم يستوعبوا النظرية النسبية.

وهناك من الأمراض الجنسية ظاهرة الفتشية والاستعراء، فيقف الرجل المريض ويفتح بضاعته التناسلية أمام النساء، ويعرف أطباء النفسية أنه بريء مريض وغير مؤذي.

وفي علم الاجتماع يحدث نفس الشيء من شتم الأنبياء والتعرض للشخصيات والكتب المقدسة بالنكال والسخرية، فيكتب اسم احدهم على حائط الشهرة بقلم عريض.

وكاتب مثل شحرور لم يكن ليشتهر لولا حديثه عن الجيوب في لباس المرأة وفتحات نهديها، فقام عليه القوم قومة رجل واحد، وكل مختلف مذموم ولو كان عدلا وصدقا.

ونحن لم نعرف حتى الآن موضة الاختلاف والتسامح مع المختلف، ومن تجربتي الشخصية فقد قابلت حافظ الميرازي من قناة أمريكية حين دعيت لمؤتمر التعددية في فرجينيا عام 1993م، وكان العالم بخير وأمريكا تنتظر الضربة القاضية على غير ميعاد، أو بميعاد وتخطيط الخبثاء، فسـألني عن رأيي في سلمان رشدي، وكان رأيي أنها ليست جديدة، والنبي اتهم في أهله وهو في عقر داره بين أصحابه وصحابته في قصة الأفك، فنزل القرآن في حكم من ادعى ونشر الخبر ثمانين جلدة، أي حكما قضائيا وليس قتلا على شريعة الخميني.

ولو أن رشدي التعيس والكاريكاتور الدنماركي القميء سكت عنه وأهمل لما انتشر كل هذا الانتشار.

وأفضل طريقة لنشر شيء محاولة التكتم عليه، أو نشر غسيله في محاولة الدفاع، فيعم من حيث نريد الإخفاء.

وأذكر من قصص أمراض النفس أن سيدة تكتمت على قضية خاصة بها، فانفجر بعد انحباس قادها إلى مصح أمراض نفسية للعلاج.

وأفضل طريقة للتنفيس عدم حبس الأشياء واحتقانها بل دفعها في طريقها الطبيعي وإهمالها إلى قناتها المعتادة.

وقصة (فرط النية) في علم النفس معروفة حين تأتي النتائج عكس المقصود، مثل العمل الجنسي وطلبه والتفنن فيه فيهرب، في حين ينفجر حين يأتي طبيعيا عفويا، وهو أمر تحدث عنه بإسهاب فيكتور فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن المعنى,..

ويأتيني حاليا في الانترنت سيل من المقالات والأبحاث والاستغاثات للنبي وهو ليس بحاجة للدفاع عنه، ويكفيه أن الله رفع ذكره في العالمين، وأن شانئه هو الأبتر.

ولكن المسلمين حاليا هم البتراء الذين لايحسنون التصرف، وهناك الخبثاء من الطرف الأخر، وهكذا فنحن أمام مسرحية في غاية المتعة يتفرج عليها العالم بين سذاجة المغفلين وخبث الملاعين..

سؤال : باعتباركم مسلما عاش لسنوات طويلة في الغرب، هل هناك حقا عنصرية تجاه المسلمين هناك؟


العنصرية مرض منتشر في كل الأرض بين العرب والعجم والبربر والأرمن والشراكسة والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، كل يعتقد أنه مركز العالم وإليك ما كتبت في هذا الصدد:

هل يجوز الزواج بين فتاة قبلية وشاب خضيري


خالي يونس كان عشائريا من قبيلة طيء، وكان يصحبني معه إلى (الهوسات) وهي الاجتماع للاحتفال والغناء القبلي؟

لم أكن أفهم شيئا مما يقولون سوى كلمة عبد الرزاق آمر بيها !! (أي الوحيد المتنفذ الذي له الأمر والطاعة؟ وعبد الرزاق كان شيخ عشيرة معتبر!)

كان خالي يونس رحمة الله عليه يسمع الغناء ويطرب، وكأنه مدمن يحقن نفسه بالهيروين؟ ..

وممن حولي رجل فاضل غني ميسور مثقف أراد التقدم للزواج في بلد خليجي من فتاة فرفض على أساس أن الكهربة عنده 110 وليس 220 فولتاج؛ فلا يصلح الجهاز ولا يعمل؟ مثل كهربة كندا فكلها 110 ..

وأنا أفتح عيني وأذني ولا أفهم؟ فما علاقة الكهرباء 110 و 220 بطبقات القوم العلية؟ ..

ثم فهمت أن النكاح هو بين قبلية وخضيري، وخضيري تعني حضري من أهل المدن وليس من قبيلة معروفة، وهي عبارة تذكر على استحياء وسرا لأناس ليس لهم أصول قبلية واضحة، ولو كان صاحبها مخترع المفاعل النووي، ولقاح شلل الأطفال وحمى الضنك وأنفلونزا التيوس، ومخترع نظام الميكروسوفت، وسبق ابن زويل، وتمنى مندلييف صاحب نظام جدول العناصر التعلم منه، فهذه كلها لا قيمة لها، والقيمة المهمة أن يكون من قبيلة واضحة، من عشيرة معروفة، متفرع من فخذ وساق وأصبع قدم قبيلة من الفحول الأشاوس!

واليوم الكنديون والألمان والطليان لا ينتسبون لقبيلة وعشيرة، وهم خير البرية ..

والله قال إنه جعل البشر شعوبا وقبائل ليتمازجوا ويتناكحوا، ولا فضل لأحد على أحد  إلا بالالتزام ودقة المواعيد وحسن الأداء وقوة الإنجاز والعلم، واختصرها القرآن بكلمة التقوى .. أي الالتزام والأداء...

وليس مثل اليابانيين والألمان في التقوى اليوم، ولا يجاريهم أحد بحسن الخلق وحسن الأداء، في الوقت الذي هبط  فيه العرب إلى قاع المحيط أسفل سافلين من رداءة الأداء، وإخلاف المواعيد، وسوء الإنتاج واستفحال الديكتاتورية مثل الروماتيزم الخبيث، وسوء الأخلاق والشقاق والنفاق....

وأنا رجل كسبت الجنسية الكندية بعد مكث ثلاث سنين، وأصبح لي في بلد خليجي 26 سنة أكدح مواصلا عمل الليل بالنهار، لا أطمح ولا أطمع في تحصيل جنسية ذلك البلد، مع أنني تقدمت إليها، وحققت شروط نيلها، فهذا هو الفرق بين بلاد الكفار والمسلمين !

الكفَّار يعطوك الجنسية في ثلاث سنين، وإخوانك في الدين واللغة والتاريخ، لا يعطوك الجنسية ولو بقيت ثلاثين سنة بين ظهرانيهم، مع أنك تصلي معهم الخمس، وتستقبل نفس القبلة، وتنطق بنفس اللسان، ولا أمان لك بالمقام إلا تفضلا وكرما؛ فيمكن في أي يوم أي يقولوا لك وبلطف، كما يزورك ملك الموت فيقول؛ قد دنت ساعة الرحيل يا ابن توفيق جلبي...

إنها الحقيقة المرة الموجعة يعرفها الجميع وينطقها الجميع ولكن سرا !

أنت مهدد بالترحيل في كل يوم، كما رحل اليمنيون في ساعة من نهار من بلد خليجي، حين دبت بوادر الشقاق السياسي في حرب الخليج فرحل الجميع.

أنت مهدد بالترحيل والرحيل والفراق ولو مكثت 26 سنة فتنتهي كما ينتهي أحدهم بضربة الصاعقة، وأجل الموت، وحوادث السيارات والجلطة القلبية، فلا أمان لأي يوم أن يستمر كما بدأ، متى ما فتح بابه أو أقفل دكانه!

وكنت بين الشراكسة في معرض دمشق يوما، فسمعت مغنيا متحمسا بصوته المرتفع بـ 160 ديسبل، بما يثقب غشاء الطبل، فلحظت من حولي رجلا يحمر ألوانا وينتفخ مثل ديك حبش وأنا متعجب !

سألت ما الخبر؟ وأنا لا أفقه كلمة مما يقول !

قالوا: يحمد الله أن جعله شركسيا !!

قلت في نفسي مكررا قول أم رياض والدتي، وأنت أيها المسكين ما بالك في نادي القوم منكرا، غضب الله نزل عليك ثلاث مرات؛ فلست شركسيا، ولست قبليا، ولست سليل عائلة ملكية فرعونية، بل ولدت من بطن امرأة تأكل القديد وتخبز الكليجا ليوم العيد !!

وهكذا فكل قوم بما لديهم مفتخرون أنهم خير من أخرجت البرية......

وأذكر من صديقي الشركسي برهان وهو يشرح لي أسرار لغة الأديغا القفقاسية فقال وهو يسرح ببصره عبر الأفق؛ هل تعلم أن مرادفات الحليب عندنا سبعون؟ فإن ركع وسجد واستلقى وتمطى وبيده كأس حليب لها مرادف، وأنا اعرف عن الأعراب أنهم يستخدمون للسيف سبعين مرادف؟

قلت لصديقي برهان لو سألك أحد هذه الجملة كيف تنطقونها؟ هل عندك حليب بارد جديد؟ استغرب ثم بدأ في تركيب الجملة اشا اشا اشا اشا اشا وأنا أردد معه اش اشا شا شاو شا؟ وضحك كلانا من خرافات كل واحد؟

وكلنا لآدم وآدم خلقه الرب من تراب............

ومن أعجب ما سمعت عن قصة القبلي والخضيري؟ قالوا أن امرأة فصلت عن زوجها لأنه ليس من الطبقة النبيلة القبلية؟

قلت خالص أنت لست قبليا بالتأكيد، ودمك ليس نبيل بالتأكيد، بل أنت من ملح الأرض .. وطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض ..

واليوم كنت أقرأ في سورة الأحزاب عن قصة زيد وزواجه من زينب بنت جحش، وكيف أن آيات كاملة نزلت لتحدد العلاقات الإنسانية، أن كل امرئ بما كسب رهين، يرجع من حيث خرج، والكل سواسية، وختمت النبوة على ذلك ..

وفي الواقع فإن أمراض العالم العربي  أكثر من رمل عالج في اليمن، ورمال الصحراء المغربية والأمارات، وصحراء النفوذ، والربع الخالي وبنو مدين والهفوف..

فالحزبي والطائفي في بلد جملوكي إذا وقف في طابور الخبز أو الدوائر الحكومية ـ وهي طوابير طويلة ـ  يجب أن يسبق الجميع، ويعتلي الأكتاف، ويتقدم الصفوف فوق الرفوف، ويبستم له كل الموظفون أن نالتهم الشفاعة الإلهية بتقديم خدماتهم لابن الإله شخصيا؟

أما ابن المسئول فهو من طينة الرب يقينا لا تأخذه سنة ولا نوم ..

أما ابن الحاكم فهو لا يقترب من هذه الحقارات أصلا، وكل البلد مزرعة له ولعائلته وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللائي ولدن من العائلة الجملوكية بعد أن كنّ يخبزن في التنور ويمشين حفاة، كذلك لا ننسى خصيانه وحشمه وطواشيه وخادماته؟

وأما المعاملات فيقوم بها الشرطة والدرك والعبيد المسومين ..

وأما رئيس الفرع الأمني من مباحث ومخابرات وشرطة سرية، فهو ممن لا يسأل عما يفعل وهم يسألون !!

إنها الحقيقة المرة الموجعة يعرفها الجميع وينطقها الجميع ولكن سرا !

إنها كما نرى جثة تعبث بها وتلعب جراثيم من الأوغاد المدربين على يد دراكولا مصاص الدماء ..

وإلى حين ولادة المجتمع الإنساني النظيف، الذي يسمى صدقا وعدلا المجتمع الإسلامي، فسوف يسلط الله علينا مع شروق كل شمس الذل والهوان والخسف والمسخ وريحا حمراء ..

ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون !

سؤال :  إذا افترضنا جدلا أن صورة الإسلام والمسلمين سيئة إلى مدى بعيد في عيون الغرب، فهل يعود السبب لكون الغرب لديه عداء للإسلام والمسلمين، أم أن المسلمين هم الذين عجزوا عن تقديم دينهم للآخر بصورة إيجابية؟


كتبت عن هذا أيضا بعنوان "الشرانق الإسلامية وعدم القدرة في التكيف مع المعاصرة أو المخاض العسير إلى المعاصرة".

وإليك ماكتبت عن هذا الموضوع:

القواقع الإسلامية في الغرب والحاجة إلى تجديد التفكير الديني


توجهت السيدة (نويمان) الألمانية مع زوجها إلى مؤتمر يضم المسلمين في مدينة (آخن Aachen)، وعندما وصلت تقدمت إليها سيدة عربية فطلبت منها الانفصال عن زوجها والانضمام إلى قافلة النساء في مؤخرة الحفل مع الأطفال. فاعترضت السيدة الألمانية فورا وقالت: أنا مسلمة والحمد لله أما عاداتك الشرقية فاحتفظي بها لنفسك. وأنا جالسة إلى جانب زوجي في صالة المحاضرات.

وإذا كانت هذه الحركة من السيدة الألمانية (المسلمة) قد نجحت فإن سيدة مسلمة من كندا توجهت إلى لقاء المسلمين في أمريكا فتم اعتقالها من البوليس الأمريكي باستدعاء من منظمي الحفل ثم (زربت) مع الأطفال في المؤخرة حيث الضجيج.

ويلفت نظري في بلدان عربية عناوين مثيرة مثل (للإيجار: كراسي خيزران وحفاظ قرآن؟) أو (دورة مياه ومصلى للنساء؟). وهي أمور تكتب بعفوية ولكنها تدل على ثقافة تصلبت عروقها. 

وهذه القصص تروي الفارق بين الدين والعادات. وأن المسلمين حينما يعيشون في الغرب ينقلون معهم أمراضهم فيعيشون في شرانق يغزلونها من أوهامهم. 

وما لم يتم الفصل بين ما هو دين وما هو تراث لا علاقة له بالدين فلن يحصل أي تجديد في الفكر الديني. وما لم ينظر إلى الإحكام في ضوء تاريخي فسوف نكذب على الله.

ويعتبر (جيفري لانج) أستاذ الرياضيات الأمريكي المسلم في كتابه (حتى الملائكة تسأل؟) أن مصير الإسلام في الغرب متعلق بالإجابة على هذه التحديات؟

والمشكلة ليست في (القرآن) بل في (المسلمين). ومشكلة المباديء أتباعها. وعندما يتعطل الفهم عندهم فلن يستفيدوا من أعظم الآيات التي يمرون عليها وهم عنها معرضون.

وفي قصة (ابن لبيد) عبرة كبيرة فهذا الصحابي الجليل عندما سمع يوما من رسول الله ص يروي قصة (ذهاب العلم) لم يخطر في باله أنه حاصل طالما كان كل جيل يدرس القرآن للجيل الذي بعده؟ والرسول ص لم يقل له أتكذبني وأنا رسول الله أو يرد عليه (بنص) قرآني بل أخذ بيده إلى الواقع المعاش فقال له: " لقد ظننتك أفقه من بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟".

ونحن هنا أمام شيء جديد هو عدم الاستفادة من الكتاب لفقدان شيء آخر هو (العلم)، والدخول على آيات القرآن بدون (أدوات  معرفية) من العلوم الإنسانية المساعدة مثل الأمي الذي يدخل صيدلية عظيمة فيعطي قرص أسبرين لمريض قرحة فيقتله.

والفرق بين (الواقع) و(النص) أن الواقع هو النص (الأساسي) الذي لا يتبدل. ويقول (غراسيان) "إن الحقيقة ترى بصورة عامة ونا درا ما تسمع". والواقع يبقى (المرجع) عند كل خلاف.

والانفكاك بين النص والواقع يحرم من الاستفادة من أقدس النصوص. و لا يصبح الطبيب بارعا إلا في السباحة المستمرة بين النظرية والممارسة. و(آينشتاين) يرى أن كشف الحقيقة مرة واحدة غير كافي فالحقيقة تشبه تمثال الرخام المنتصب في الصحراء والمهدد بالدفن في كل لحظة من زوابع الغبار وما يحفظه هو النظافة المستمرة من أيدي دؤوبة لا تعرف الكلل فيلتمع تحت ضوء الشمس؟

وهذه الظاهرة هي مرض (أهل الكتاب) والمسلمون هم أهل آخر كتاب. ويمكن أن يصابوا بكل أمراض أهل الكتاب السابقة فلا يستفيدوا من أي نص.

وفي المقابلة التي تمت بين (محمد إقبال) و(موسوليني) اعتبر إقبال أن القرآن منبع للطاقة لم يستهلك فيما يشبه العناصر النادرة المشعة في الطبيعة. وهذا يعني أن الإسلام سوف يبقى يمد البشرية بأفكار رائدة. والمؤرخ البريطاني توينبي اعتبر أن فكرة تحريم الخمر ترميز لأحياء العقل ودواء لأمراض الحضارة.

وفي القرآن (نظم) خاص أو (كوانتوم) قرآني حوّم حوله الكثيرون في محاولة استنطاق منطقه الخاص ولعل كتاب (محمد شحرور) الأخير عن القرآن والكتاب محاولة لاكتشاف هذا النظم الداخلي. ولكن مشكلته أنه يولد المعاني من الألفاظ مثل حاوي السيرك الذي يخرج أرانب بيضاء من قبعات سوداء. واللفظ يعطيك ما تشاء من المعاني. ومن كلمة (يضربن) بأرجلهن يمكن توليد معنى (الستربتيز). ولعبة اللغة لا تنتهي كما يقول الفيلسوف (فيتجنشتاين). وما لم ندخل حزمة من (الأدوات المعرفية) فإن لعبة اللغة مضللة أكثر من لعبة (غو) على لوحة الشطرنج الصيني بـ 361 مربعا و 52 حجرا لكل طرف؟

واللغة لا يمكن أن تدلنا على مكان (قوم عاد) لولا الستاليت الفضائي. كما أن كل علوم اللغة لا يمكن أن تعطينا فكرة عن (آدم) لولا علم الانثروبولوجيا؟ ولم يكن فهم دلالة كلمة (الملك) في قصة يوسف لولا المعرفة التاريخية عن الهكسوس. فهذا هو الفرق بين (لعبة اللغة) و(العلم).

واتصل بي أخ يخبرني عن كتاب تفسير جديد للقرآن انتهى بجهد 13 سنة  مصبوب في 700 ألف صفحة وهو عمل فلكي ولكن السؤال هو: هل سيكرر عمل الأقدمين أم أن هناك اختراق نوعي؟

والقرآن يمتاز بأنه كتاب (قوانين) وله ثلاث طرق لعرض الحقيقة: فإما دخل على الحدث فانتزع منه الاسم والمكان والزمان وأدخله إلى (معمل المطلق). تأمل قوله (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها؟). وعندما يقول (ألم تر) يحاول وصل الصور ببعض مما يعطي أداة جديدة لفهم الحقيقة مثل الفيلم الذي يعرض باتصال الشرائح وحركتها بسرعة معينة. أو بطريقة (التجميع Puzzel) فيمكن جمع آيات الشهيد والشهادة مثلا في أكثر من ثمانين موضع لنكتشف أن الشهيد ليس معناه من يقتل بل من يحضر ويعترف ويدلي بشهادته في محكمة؟  وفهم القرآن على هذه الصورة تعطيه تحليقا فوق الزمن.  

وتطوير العلوم الجديدة لا يشترط أن يأخذ عناوين قديمة مثل (التفسير) فهذه كلها علوم أبدعها علماؤنا من قبل ولا يشترط أن نتقيد بها بل نستأنس بها. وكلمة (عقيدة) ليس لها وجود في القرآن ومع ذلك طور علماءنا كتبا لا تنتهي حول العقيدة؟ وهذا يفتح أعيننا على مشكلة تطوير الفكر الديني برمته، والحاجة لتطوير علوم جديدة مثل (الدراسات القرآنية التاريخية المقارنة) أو (البنيوية في القرآن).

وكما كان لكل فن (أدوات) للدخول على الحقل مثل المطرقة للحداد والمشرط للطبيب كذلك الحال بالنسبة للمعرفة الإنسانية، والحاجة الآن قائمة لأفكار جديدة تشكل (مفاتيح) دخول لفهم القرآن، فلا يعقل أن نفتح الجمجمة بأدوات فرعونية كما لا يمكن أن نفهم القرآن بتفاسير تعود 600 سنة للخلف. ونحن نسلم لهذا في الطب ولكن في العلوم النقلية نكِّفر من يقول بها؟ 

وهناك ما لا يقل عن عشرين ألف تفسير كتب حول القرآن تكرر بعضها بعضا ولا تشبه كتب التفسير الحديثة مثل القاسمي ورشيد رضا والنظر في تفسير كلمة (السائحات) تعطيك فكرة عن الفوارق؟ فكل الفكر القديم لم يكن في مقدوره تصور المرأة تمارس السياحة؟

وهذه الآيات (المفتاحية) تتناثر في القرآن مثل قل (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؟). أو (يزيد في الخلق ما يشاء) أو (ويخلق ما لا تعلمون) أو (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق) أو قول الله بعد تساؤل الملائكة عن سر خلق آدم المفسد القاتل "قال: إني أعلم ما لا تعلمون؟) فكيف بدأت رحلة الحياة عند الكائنات قبل نصف مليار سنة؟ وكيف نفهم أن الكون لوحة لم ينته رسمها؟ وما هو علم الله مقابل ظن الملائكة؟

و(تجديد التفكير الديني) هو كتاب وضعه الفيلسوف (محمد إقبال) وهو مشحون بأفكار (انقلابية) مثل فكرة (ختم النبوة). فهو يرى أن النبوة ختمت لأن العقل الإنساني نضج وتجاوز مرحلة الأحكام المسبقة وأصبح بإمكانه أن يمشي بقوته الذاتية دون عربة أطفال؟ وهذه قفزة في التفكير تجتمع مع آية (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) فهذا هو الوحي الجديد. والوحي كما يراه إقبال ظاهرة كونية يمارسها النحل والشجر والبشر في درجات. وأوحى ربك إلى النحل. وآيات الآفاق والأنفس هي الوحي الجديد.

سؤال : أنتم من دعاة التأسيس لـ"لا عنف عربي داخلي من أجل الكف عن القتل". برأيكم، ما هي أسباب هذا العنف؟ وهل يتعلق الأمر بـ"جين" وراثي في الشخصية العربية؟ أم للأوضاع السياسية الفاسدة التي تعيش على وقعها المنطقة؟ وكيف يمكننا أن نقضي على هذا العنف؟


أسباب العنف ثقافية ويمكن عرض المسألة على الشكل التالي:

الجهاد والعنف السياسي


في رمضان 1424 هـ وباسم الإسلام تم تفجير حي في مدينة الرياض وقتل وجرح العشرات فانتقل وباء المرض الجزائري إلى مكان آخر. ولكن ما يحدث يجب فهمه من خلال تفكيك مفهوم الجهاد. وهو أمر حساس ومن يتناوله إما في جيب السلطة أو من يتربص بها ريب المنون؟

ومن الضروري في البدء تحرير المفاهيم. والعنف الفردي في الدفاع عن النفس كما لو هاجم شقي رجلا فدافع أحدنا عن نفسه لا يدخل في حديثنا. وورد في (الحديث) بما معناه أن من دافع عن نفسه يعتبر شهيدا. ومن قتل دون ماله فهو شهيد. ومن قتل دون عرضه شهيد.

وهذا شيء لا يدخل في العمل السياسي. والدولة حينما تأتي لتعتقل شخصاً فيجب أن لا يدافع عن نفسه. والفرق هنا كبير وجوهري في الدفاع عن النفس ضد لص والدفاع عن النفس بالرشاشات ضد رجال الدولة. فهذا الذي يجب أن يبحث.

وفي هذا المجال توجد (حادثة) و(تعليمات) من السيرة تروي حكاية الفرق بين الدفاع الفردي والسياسي:  فأما الحادثة فيذكر عن صحابي أنه تعرض للإهانة من رجل قرشي فما كان منه إلا أن ضربه (بلحي) بعير فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام. فيرى الشباب ـ كما كتب أحدهم ـ أنها فتوى في ضرب رجل الدولة إذا جاء لإلقاء القبض على أحد المطلوبين أمنياً.

والفرق بين الأمرين كالفرق بين الأرض والسماء. و(تعليمات) الرسول ص كانت واضحة وكان يردد على مسامع أصحابه ""أننا لم نؤمر بقتال" امتثالاً لقوله تعالى ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة" وكان ص  يمر على الصحابة وهم يعذبون فلا يزيد عن القول صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة. ولم يأمرهم بحمل السلاح وذبح الناس من أجل الإسلام بل أمرهم بالصبر على الدعوة وتحمل المحنة ثم الهجرة. ومن الغريب أن هذه الأفكار من الصبر على الأذى ألغيت من ثقافتنا فيقول أئمة العنف إنهم لا يسمحوا لنا بنشر الإسلام. والخلط هنا أن أفكارهم أصبحت تساوي الإسلام وهي لا تزيد عن خيالاتهم عن الإسلام. وقد تبتعد وتقترب بمقدار حدة الفهم. مثل موضوع اللباس واللحية والمشكلة ليس بما غطى الجمجمة من قماش أو انساب من الذقن من شعر بل بما دخل الرأس من أفكار. ولكن بين المسلمين وهذا الفهم سنة ضوئية.

واستراتيجية (الصبر على الأذى) هي من أجل تكوين جيل جديد من البشر يحلون مشاكلهم فيما بين بعضهم بعضا بروح ديموقراطية وليس بالعنف والسيف. فمن اعتاد سفك الدماء لم يتحرر منه. وأسنة الرماح قد تحل المشاكل ولكنها ليست مكاناً مريحاً للجلوس. "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين"

فهذا الاختلاط يشوش الرؤية على الشباب فيظنوا أنه يجب قتال الدولة الظالمة أو ما يخيل إليهم أنها ظالمة. ومتى أعجبت الحكومة الناس؟ أي حكومة؟

والأمر الأشد خلطا وغبشا في الموضوع هو الغزوات والسرايا التي شنها الرسول ص وتقدر بـ 23 غزوة حضرها بنفسه. وما يزيد عن ثمانين سرية لم يحضرها ص بنفسه. فيظن الشباب أن الجهاد هو ضد الدولة لأن الرسول ص استخدم القوة المسلحة. وهذا يشكل نصف الحقيقة فمتى استعمل القوة وضد من؟ وهنا السؤال الحرج .

ومن يقوم بدراسة (تشريحية) للسيرة يرى بشكل واضح أن هناك مرحلتين منفصلتين غير مختلطتين: (الدعوة) ولم يستخدم فيها السلاح. وقيام (الدولة) ومعها استخدم قوة السلاح.

وفلسفة الإسلام في العهد المكي أنه لم يستخدم القوة لأنه كان ينشر الفكر في محيط سياسي تسيطر فيه قوى قبلية. ولم تكن هناك حكومة مركزية مثل روما تتولى مصائر العباد. كذلك كانت المدن مثل يثرب تتمتع بنوع من الاستقلال السياسي ما يذكر بمدن اليونان القديمة. والرسول ص وحد الجزيرة العربية لأول مرة ضمن منظومة سياسية واحدة. وهو يفسر الآيات الواردة في سورة التوبة عن عدم قبول الشرك السياسي في الجزيرة بعد عامهم هذا.

والإسلام لم يستخدم وسيلة السيف والانقلاب العسكري للسيطرة على المجتمع لقناعته أن التغيير هو نفسي قبل كل شيء. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولذا صبر المؤمنون حتى حصل التحول الاجتماعي وحين نضجت الأمور وانتشر الإسلام في المدينة هاجر الرسول ص إليها. فهذه نقطة حدية يجب استيعابها في بناء الدول والأنظمة السياسية.

وبسبب البيئة المستعصية في مكة فإنه حاول أي الرسول ص جاهدا أن ينشر دعوته في أي مكان آخر وهذا هو السبب في عرض نفسه على القبائل وهو يشبه التجمعات الحزبية هذه الأيام. فعندما تنتشر فكرة بين مجموعات حزبية في مجتمع ما وتتبنى الفكرة (كتلة حرجة) ينقلب المجتمع وهو ما فعله الرسول ص.

واختلاط هذه الأفكار هو الذي يغذي الفكر العنفي حاليا فيرون الأشياء مقلوبة وليس من بدايتها فيرون صراع الأنظمة مثل معركة بدر وأحد. وقتال الأمريكيين مثل غزوة مؤتة وحملة تبوك. فيضيع هدف الجهاد والمرحلية في تطوره. 

وما يحدث من عنف في المجتمع من التفجيرات وسواها يرجع إلى طبيعة الفكر السائد. وكليات الشريعة والمدارس الشرعية تدرس الفكر الفقهي القديم بدون وعي سياسي. و تتعاون (الجامعة) و(الجامع) على إفراز الفكر العنفي في كل مكان ووقت. فماذا يفعل أحدنا أمام الحديث أنه من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق؟

وهذه الكلمات القليلة كتبتها بالتفصيل في منابر شتى منذ أكثر من عشرين سنة ودعيت لتركيب لقاحات ضد وباء العنف مثل تهيئة اللقاحات ضد شلل الأطفال وجنون البقر وسعار الكلاب. وقلت سابقا أن الدول العربية غير محصنة ضد هذه الأوبئة. ولكن لمن ينتبه أحد لما قلت. لأن الشعوب تتعلم بالعذاب فتزاد جرعة جرعة حتى يرجعوا عن الطريق الغلط.

وأوربا جربت الحروب من كل نوع زوجين من الدينية والقومية والعالمية حتى تابت عن استخدام السلاح والقوة لحل المشاكل. والآن تتحد أوربا بدون حروب تحرير شعبية وجهاد. وسيكون عدد الدول عام 2004م 25 دولة تضم 450 مليونا من الأنام. وهي آية أمام أعيننا نمر عليها ونحن عنها معرضون.

والمهم حاليا هو فك إشكالية النصوص وعلاقتها بالقتال المسلح. وما لم يحدث وعي حاد يفرق الجهاد عن الجريمة فسوف تبقى الانفجارات في طريقها للحدوث وجثث الضحايا تنقل إلى المشافي والقبور.

إن الإصلاح النبوي لم يعتمد القوة المسلحة لتغيير المجتمع داخليا فهذا واضح. والغزوات والسرايا كانت بعد قيام نظام سياسي واضح مميز لرفع الظلم عن العباد. والرسول ص كان مستعدا للدخول في أي حلف مثل الفضول للدفاع عن المظلومين. والجهاد بشقه المسلح ضد الطاغوت هو من أجل تحرير الإنسان من الفتنة. والفتنة أشد من القتل. وهي إخراج الناس من ديارهم وعقائدهم بالقوة المسلحة. ومنه نفهم أن الجهاد بمعنى القتال المسلح لم يشرع لنشر الدعوة. وليس هناك جهاد دفع وطلب بل له آلية واضحة تظهر مع رؤية بنيوية للقرآن بالمرور على آياته في كل موضع. مثل قصة نبي بني إسرائيل حينما سألوه أن يرسل لهم نبيا يقاتلون معه في سبيل الله فقال لهم "هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟" قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟" وهنا نضع أيدينا مع أي قوة عادلة في الأرض لتحرير أي إنسان على وجه الأرض من الظلم الواقع عليه. فهذا هو الجهاد الذي دعا له الإسلام. وهو مفهوم إنساني راقي يمكن أن ننطق به في أي منبر عالمي. ويتقبل من الآخرين. ونجد من يضع يده معنا في هذه المشروع العالمي. وهو يشبه الدفاع المدني والإطفائيات لإطفاء الحرائق في الأرض وليس لإشعال الحروب وكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين.

سؤال: في أحد البرامج التلفزيونية، قلتم بأن الأوضاع في العالم الإسلامي مريضة. من القادر برأيكم، على إشفاء العالم الإسلامي من علته هذه؟


في قناعتي خلف المشكلة نوعان من الأفكار أطلق عليها الميتة والقاتلة ويجب التخلص منهما وإليك رأيي في المسألة:

العالم العربي يتسمم على مدار الساعة بين الأفكار الميتة والقاتلة؟

فما هي الأفكار الميتة والقاتلة وما الفرق بينهما؟

إننا في الواقع نعيش هذا الجدل المؤسف بين الأفكار الميتة والقاتلة، والفرق بينهما يذكرني كطبيب، في محاولة لنقل مفاهيم البيولوجيا إلى علم الاجتماع كما فعل هربرت سبنسر.

أقرب شبه لها هي وحدة الدم التي تنقل للمريض حين الحاجة، ويجب توفر شرطين أساسيين فيها، أولا صلاحية الزمرة وتطابقها مع زمرة دم المريض (O, A,B.AB)، وثانيا زمن صلاحيتها، وأي خلل في هذين الشرطين يحول الدواء إلى سم والدم إلى علقم.

كذلك عالم الإفكار؛ فإما تم نقل الأفكار الفعالة في موطنها بغير شروط نقلها، كما هو الحال في مجالس الشعب والمجالس النيابية ومجالس الشورى؛ فهي فعالة حيث أخذت في الدنمرك وكندا ونيوزلندا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ولكنها عندنا مجالس قرود للطرب والتصفيق والموافقة العمياء، وتغيير الدستور بما يوافق عمر الحكام الصبيان؛ عفوا من التعبير.. إننا مضحكة ولكنها مبكاة أليس كذلك؟؟

أما الأفكار الميتة فهي أدهى وأمر لأفكار انتهى زمن فعاليتها كما في الأدوية المحرم استعمالها بعد انتهاء زمن صلاحيتها؟

هي تلك الأفكار التي كانت يوما ما فعالة، وانتهت فترة صلاحيتها، ولكن ماهي ؟ وأين توجد؟

ثم من الذي يتجرأ فيقول هذه أفكار ميتة بطلت صلاحيتها؟ وأن تفسير ابن كثير مثلا انتهت صلاحيته، وتاريخ ابن كثير لايزيد عن الاستئناس، وعارضة الأحوذي خسرت عارضتها، ولو بعث ابن كثير لأنكر كتابه، وبدأ في كتابة تفسير جديد وتاريخ جديد، فلا يمكن فتح جمجمة مريض اليوم، بأدوات من زمن الفراعنة، كما لايمكن معالجة أمهات الدم بطرق الزهراوي، فهذه نسلم بها فلا يذهب مريض لطبيب عربي يعالجه بالفصادة  والحجامة والعلق معلقا على الجلد؟

أما في الاتجاه الآخر فنمشي مقلوبي الرؤوس، وهو يعني أنه كلما رجعنا في الزمن للخلف كان الكتاب أفضل مثل الخمر المعتقة الفرنسية في القبو؟

هنا المعركة الكبرى.

وكما كان لكل قرية مقبرة لدفن الجثث بخشوع مع كل احترام كذلك يجب أن نعد العدة لبناء جبانة هائلة لدفن هذه الإفكار الميتة، ولنا الويل إذا لمسنا هذه الجثث؟؟ فهذا هو وضع العالم العربي، والحداثة المزعومة، ممزقين عضين بين حداثة وحداثيين مارقين، وبين أصوليين يريدون تقليد لباس عمر بن الخطاب ولحية البحتري مما يجعل عمر ر يضحك في قبره ويخرج عليهم بالدرة! ويهجوهم البحتري بقصيدة سينية جديدة؟؟

حضرت رحلي الهموم فوجهت إلى أبيض المدائن عنسي أتسلى عن الحظوظ وآسى من آل ساسان درس!!!

لقد فشلت التجربة القومية، وبارت الانقلابات البعثية العبثية، وماتت الشيوعية، وهلك العجل الناصري، وحصدت الحركات الإسلامية فشلا بقدر جبل قاف..

أين إذن المخرج ؟؟ هذا هو السؤال المطروح..

أيتها الذبابة التي تطنّ في حوجلة الزجاجة:

هل أبصرت الفوهة المفتوحة؟

هكذا قال فتجنشتاين؟؟

سؤال: مؤخرا، طالب أحد رجال الدين بطردكم من السعودية، وكان ردكم عليه أنكم مستعدون لتقبيل رأسه، ليس تملقا له، بل حرصا على عدم وقوعه في الزلل من فرط الحماسة للدفاع عن الإسلام. هل كنتم ستردّون عليه بهذا الردّ الإنساني الراقي لو لم تكونوا هاجرتم إلى الغرب؟


قد يختلف بعض الشيء ولكن في عمومه سيكون على التفريق بين الحماس والوعي وأن أعظم قضية قد يرافع عنها محامي فاشل، وأفسد قضية قد يرافع عنها محامي ذكي، فتفشل الأولى وتنجح الثانية، والخوارج لم يكن ينقصهم الحماس بقدر الوعي..

سؤال: أنتم تعملون طبيبا جراحا، ولديكم 25 مؤلفا في مجال الفكر الاسلامي، وتكتبون مقالات بشكل مسترسل في الصحف. ما السر وراء غزارة الإنتاج الأدبي والفكري للدكتور خالص جلبي؟


السر في كلمة الاهتمام والاستفادة من الوقت؛ فالموضوع استولى علي فأكتب في المنام والسيارة وقائما وقاعدا وعلى جنبي..

ختاما، هل من كلمة تودونّ توجيهها إلى زوار موقع "هسبريس"، وإلى الشباب المغربي بصفة عامة؟

كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: العلم والسلام الأبدي..

 
 

spacer
LA LIGA DE IMAMES DE ESPANA