spacer
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, ومرحبا بكم في الموقع الرسمي لرابطة الأئمة في اسبانيا

spacer
 

الخلاصة RSS

لم يتم تحديد رابط التغذية الإخبارية.
 
وللآخرة خير لك من الأولى طباعة إرسال إلى صديق
خطب الجمعة
الكاتب محمد بنعبد الرحيم   

إن الله عز وجل خلق هذا الكون على أسباب وعلل ، قد يقف عليها العقلاء بعد تمحيص وتثبت وروية ، وقد  يعجزون عن ادراكها لدقة خفائها على عالم الحواس ، ويعمد الله الى كشف ما تلبسها من الغموض ولو بعد حين ، وعَجْزُ العقول عن ادراك أسرار الأقدار ليس يعني أبدا ان الكون يسير في عبث غير منظم ، ولكن العقل المجرد عادة  هو  العاجز عن معرفة كنه الارتباط بالأسباب والمسببات خاصة ان لم يُمد له من عوالم أخرى – الوحي -  خيط يصل من ورائه الى تفسير مكنون الأحداث والوقائع .


ومن ذلك فالله خلق الدنيا وجعلها دارا للعبور والانتقال الى دار هي خير عنده وأبقى.  والدنيا كما يظهر من اسمها ، دنيئة حقيرة سافلة . والدناءة والخسة ما أن يجتمعوا حتى يدلوا على معنى واضح هو التقلب والالتواء والتغير والمكر والخداع . لذلك من ظن ان الدنيا تدوم له أو لغيره على حال فقد أمن على ما لا يُستأمن ، وخدع نفسه بأكبر خدعة يعرفها العقلاء .  إنه كما تدور الأفلاك في مجراتها والكواكب في أذنابها على نظام ثابت لا يتغير ، كذلك تدور الدنيا على أصحابها ، والأقدار على أهلها ، فتحولهم من حال الى حال، وهي شاقة طريقها لا تعرف محاباة لذي مقام أو مجاملة لذي سلطان  .

فكم من غني بات مطمئنا على خزائنه فما أصبح عليه الصبح حتى وجد نفسه يلحس الثرى بحثا عن لقمة ولا يجد ! وكم من فقير حلاه الزمان بأثواب المهانة مر عليه  قدَرُ السَّعدِ فما خلاّه الا والدنيا ترقص له فرحا وسرورا . وكم من صحيح معافا  كان يركض في قوة مزهوا بعظمه ولحمه وشحمه ، فقرعته مطاريق الأقدار فخر صريع البدن مشلول القوام ! ...

كذلك تمر اللحظات والأيام على الناس، فمن بينهم المتيقظ العارف بخبايا أحوالها، فما أن  تمر عليه ساعة نحس الا وهو مطمئن أن بعدها ساعة انبعاث ، ولا ساعة شدة الا بعدها فرج قريب ، وان كان يوما في سعة ويسر فلا يستغرب أبدا ان تنكر له الزمن دهرا فانه بعدها معانقه .
وهذا المؤمن يعيش بين أكف الأيام تقلبه من جهة لأخرى وهو خال الفؤاد راض بقضاء الله وقدره ، أما ضعفاء القلوب والجاهلون فان تقلب الأقدار يقلقهم ويقض من مضاجعهم  ويحرضهم على السخط والجحود والنكران .
و الابتلاءات لا تنتظر أحدا رضي عنها أو سخط فهي تشق طريقها في مهل تعمل عملها في الوجود والبشر.  والكل أمامها سواء لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم خدامهم وملوكهم ...

قال يونس بن ميسرة:  ما قال الناس لشيء طوبى إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء.
وقال أحد الشعراء :

 


أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها في بلاء وأذى
إن صفا عيش امرئ في صحبها ... جرعته ممسياً كأس الردى
ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعمُ العالم عيشاً قيل ذا

ان من يضمن الدنيا على نفسه فقد ضمن الخواء واستمسك بالهواء وليس لعلته دواء ، ما هو الا كالراعي يستخلف الذئب على غنمه ، وذلك هو المخالفة البينة لعمل الناموس وقانون الكون .
قد يظن الكثيرون أن الله تعالى كف عنهم البلاء في الدنيا لأن لهم عنده سابقة فضل دون غيرهم أو اتخذوا لهم مكانة رفيعة دون الخلائق فهم فوق مستوى الامتحان ، أو كأنهم وقعوا مع الله عهدا أنه  لن  يصيبهم الا بما يشتهون !!
نعم ، قد يهملهم الله لأجل معلوم ، لا لسواد عيونهم ولكن الله قاض فيهم قضاء ان أمهلهُ لن يهمله.

* * * *
قد يبتلى الانسان في الدنيا الفانية ابتلاءات كثيرة تتعدد بتنوع معطيات الحياة وقدر حاجة الناس لكل شيء منها ، وأحوج ما يعيش من أجله الانسان هو المبدأ والعقيدة والايمان ، فما أن يُنَصِّب أحد نفسه لخدمة القيم والفضيلة الا وهو يشتري لنفسه مقعدا في الجنة دونه ضرب الرقاب وجهد البلاء .

يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو يقول :" اللهم أعطني خير ما أعطيته عبادك الصالحين . فقال له النبي الكريم : اذا يراق دمك ويعقر فرسك .

إن الايمان ليس تجربة فلسفية يعيشها الانسان بعقل فارغ وهو يتفرج على الناس وأحوالهم من برج عاج ، أو احساس قلبي  يترجمه بعد ذلك واقع الشخص نفسه على أنه عاطفة عابرة مع رياح الاختبار .

يقول المولى عز وجل : { الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) . }
ويقول : {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}.

يقول السيد قطب رحمه الله  في "الظلال" : "إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به."

فكم من مُدَََّعٍ تبطل دعواه عند الأزمات ، وكم من صاحب مبدئ يظهر بعد الشدة أنه أول المتنكرين لأقواله ، وكم من متحمس متشدق كثير الصياح اذا حمي الوطيس رأيت رجله وصلت قفاه من الرعب. ولكن  الله لا يبتلي ليعلم فهو علام الغيوب ، انما ليكشف  للناس حقائق بعضهم البعض  لعلهم يتعظون .
ويظهر من عمل التاريخ أن أشد الممتحَنين في الدنيا أصحاب المبادئ السامية المتطلعون لتغيير مسار الزمان واصلاح فساد القلوب والعقول ، وخير من تشرف بهذا المقام أنبياء الله تعالى ، لأنهم دعوا بصدق الى أعظم الحقائق في الوجود .

فنوح عليه السلام أفنى السنين الطوال في الدعوة وما آمن معه الا قليل،  فلما رأى أنه لا فائدة من إصلاحهم دعا عليهم فاجتثهم الطوفان كورم خبيث حتى لا يستشري داؤهم في أجيال المستقبل .
وابراهيم أنكر عليهم نشوة الصنم الذي يعبدون،  فأضرموا له نارا عظيمة كي يتأكدوا أنه لن يقلقهم بعد ذلك ويستفز سكرتهم العمياء . فأوقف الله عمل النار،  والذي خلق صفة الاحراق في النار هو الذي أبطلها ، والله يفعل ما يشاء - وعلماء الفيزياء اليوم يؤكدون أنه لا علاقة بين الأسباب والمسببات الا من جهة الاعتياد على مشاهدتها على تلك الحال  بانتظام -  .
وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكل أخذ الله بذنبه عندما أذاقوا  أنبياءَهُم المحن  والأهوال  وهم لا ينشدون لهم الا  الخير والنجاة ، فمنهم من اغتالوه قتلا،  ومنهم من نفوه عن أرضه شريدا طريدا ، والله بعدها يطهر الأرض من الخبث وتبقى خالصة يرثها  عباده الصالحون .
ونبينا صلى الله عليه وسلم تحمل القسط الأوفر من الشدائد ، فحُرِّض عليه وهو  خير خلق الله الحمقى والمجانين وأشبعوه إهانات وسبا وشتما من كل حدب وصوب .
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لَقَدْ أُوذِيتُ فِى اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أُخِفْتُ فِى اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَىَّ ثَالِثَةٌ وَمَا لِىَ وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ مَا وَارَى إِبِطُ بِلاَلٍ »
انهم حاولوا المساس بالحقيقة في أسمى صورهها فكانت مجهوداتهم عبثا كما تحاول "قملة" نكرة أن تدنس بأوساخها  بحرا عاجيا ، أو حشرة تافهةٌ حمقاءُ ترفرف بجناحيها تحاول تغيير مسار العاصفة !!
والسنن الكونية تقول دائما أن الصادقين في مبادئهم الداعين لها بيقين يؤدون عاجلا أو آجلا ضريبة قاسية على جرأتهم من أجل الحق ، فلا شك أن أصحاب المصالح والبطون المنتفخة من ظلم العباد لن يتركوهم ساعة زمن يستريحون بأمان لأنهم انذار سوء ورُسُل شؤم على استغلالهم وتجبرهم ، والله يضرب بعض الناس ببعض، ليظهر لهم بعض ملحمة الاشتباك مع السنن من يخسر المعركة ، ومن يخرج منها بأقل خسارة (خسارة الصدق والايمان والثبات ) .
إن الابتلاءات زاد يفرق على الناس كل حسب إيمانه وقوة يقينه،  وجرعات قد تغصص الانسان مرارةً لحين ، ولكنها لا تلبث أن تداويه من علل خطيرة ربما كان فيها حتفه . وكما أن المناعات الجسمانية تختلف من شخص لآخرَ في تحمل الأدواء ومقاومتها كذلك القلوب تختلف في الثبات على القواصم المؤذية باختلاف محركات الايمان فيها . فقلوب الأنبياء ليس كقلوب غيرهم في الثبات على المبدئ  .
روى سعد بن أبي وقاص قال : قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال : «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلْباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة».
ويفسر هذا ما لاقاه المسلمون الأوائل من شقاء وعذاب في تحمل أعباء الدعوة ، بين مستَفزٍّ ومجوع ثم مقتول ومذبوح ومطرود .  والنبي يعد الكل بالصبر فالحق لا بد أن يقول كلمته في الأرض .
يقول غاندي في فلسفة المقاومة السلمية : "في الأول يهملونكم ثم يستهزئون بكم ثم يحاربونكم ثم تنتصرون ، سوف يبكون لأن سماع تهميش عظامكم سوف يرعبهم وفرقعة جماجمكم سوف يسقطهم صرعى من الغثيان ...
لقد صنعت المحن رجالا أشداء لا تلين بهم رياح الفتن الى غير وجهة الحق أبدا ، فثبت هؤلاء على الجادة بعدما تزعزع الغشاشون الذين أسلموا التحاقا بالأقوى أو طمعا في الغنائم ، والكثيرون كانوا مرتاحين لإسلام الصلاة والتراتيل { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ولا شك أن اسلام "عمار ، ومصعب، وعلي"  ليس هو اسلام "يزيد بن معاوية" الذي كان يلاعب القرود ولا اسلام "الوليد بن عقبة بن أبي معيط" الذي صلى سكرانا بالناس الصبح أربعا حتى جلده عثمانُ عبرة لغيره من المستهترين الذين كان حظهم من الدين دراهم  ألَّفَ النبي عليه السلام بها  قلوبهم  ليكثر بهم سواد المسلمين .

*  *  *  *
ان البلايا تطل على الناس في كل صباح كما تطلع أشعة الشمس المحرقة في واضحة النهار ، فتتبع الناس من عل ٍلتكشف خباياهم للعيان فيبدون كما تظهر ظلالهم تحت الضوء الساطع مرة مثل حجم ظواهرهم ومرة أكبر ومرة لا يظهر منهم شيء .
فهكذا ينال الكل نصيبه وقسطه بدون مراوغة .

فقد يأتيه البلاء من جهة المال  فيصاب بمصاب عظيم فيصبح بعدما كانت الدنيا مشرقة في وجهه،  ترخي عليه ستورها  القاتمة فلا يقدم فيها ولا يؤخر ، وبعدما كان الغنى له رفيق درب صالح يأتيه الفقر برفقة شؤم يتمنى الفرار منه ولا يستطيع ، فمن ظن أنه ملك كل شيء فقد خسر أول ما خسر نفسه وقلبه ، ومثله إن رأى الدنيا يوما تنكرت وزُفت لغيره سخط وتذمر ناقما على الزمان متهما اياه بالفوضى والعبث،  فكيف هذا الزمان بدرجة من الغباء حيث لا يفرق بين الشرفاء والسوقى؟ !

يحكى أن داود عليه الصلاة والسلام دخل غاراً، فوجد فيه رجلا ميتاً وعند رأسه لوح مكتوب فيه، أنا فلان ابن فلان الملك عشت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، ثم صار أمري إلى أن بعثت زنبيلا من الدراهم في رغيف فلم يوجد، ثم بعثت زنبيلا من الجواهر فلم يوجد، فدققت الجواهر واستفيتها فمت مكاني، فمن أصبح وله رغيف وهو يحسب أن على وجه الأرض أغنى منه أماته الله كما أماتني.
وقال مالك بن دينار: مررت بقصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار تأوي كل ضيف ... إذا ما ضاق بالضيف المكان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب وبه عجوزاً، فسألتها عما كنت رأيتُ وسمعتُ، فقالت: يا عبد الله إن الله يغير ولا يتغير والموت غالب كل مخلوق، قد والله دخل بها الحزن وذهب بأهلها الزمان."

وان أردت ارجع الى التاريخ يحدثك بالعجب العجاب: كم من ممالك شيدت،  وامارات زينت ، ودور زخرفت ، وخزائن عمرت ، تسلل اليهم القدر خُفية فلم يُبْقِ  منهم ولم يذر ، والموت لواح للبشر والى ربك يومئذ المستقر .

فرح بنوا أمية دهرا من الزمان بملكهم العظيم، ولكن ما أن تمت لهم نشوة الظفر بالسعادة الموهومة  حتى لاح لهم  سيف بني العباس فأبادهم وألقى جثثهم للكلاب في شوارع المدينة .
ولما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد – آخر ملوك بني أمية - ونزل في داره وقعد على فرشه. دخلت عليه عبدة بنت مروان فقالت: يا عامر: إن دهراً أنزل مروان عن فرشه وأقعدك عليه لقد أبلغ في عظتك.
فما أن تمكن لأصحاب الرايات السود حُكْمُ الأرض،  حتى عمل فيهم التاريخ بسننه ، فاختلطت دماؤهم بماء الفرات في مذبحة وقَّعها التتار نصرا على جبين المتعنتين.
وعندما تخذل الأقدار أصحاب البطون ساعتها لا تنفعهم خزائن الأرض للحصول على  رغيف خبز .

يحكي  المقريزيُّ عن دار مصرَ بين سنتي ٨٠٨ ،٧٩٦ ه الطَّّوَام فيقول في كتابه  "إغاثة الأمة بكشف الغمة"  :  "... أُكِلت الكلاب والقطط حتى قَلَّتِ الكلاب، فبيع كلبٌ ليُؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الناس حتى أَكَل الناس بعضهم بعضًا، وتحرر الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه. ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه، وذهب وقاره، وكانت نساء القصور يخرجن ناشرات شعورهن يصحن: "الجوع! الجوع!" يردن المسير إلى العراق، فيسقطن عند المصلى، ويمتن  جوعًا"  ص14

والمقريزي هذا عالم من من علماء التاريخ النبهاء الى الأسباب الخفية التي تعمل عملها في النفس والاجتماع،  فلا شك أن تلميذ ابن خلدون لم يكن أقل شأنا من أستاذه العظيم .  فلا يكتفي مثل غيره من الجهلاء  بالنَّوح على مصائب الزمان ، ويجلس يُلقي التُّهمَ الجزاف على نهر النيل أنه هو المسؤول الوحيد عن ما أصاب الناس من كوارث !
صحيح أن لقانون الطبيعة في الكثير من الأحيان الأثر الكبير في  قلب الأمور وتغيير مسار الحياة ، ولكن التخلف البشري في فهم أسراراها جعلهم يكتفون بالصياح ويندبون الحظ البئيس .

يقول المقريزي :  " ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن في ما مضى مثلها ولا مر في زمن شبهها، وتجاوزوا الحد فقالوا لا يمكن زوالها، ولا يكون أبدًا من الخلق انفصالها، وذلك أنهم قوم لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله آيسون، ومن تأمل هذا الحادث من بدايته إلى نهايته وعرفه من أوله إلى غايته علم أن ما بالناس سوى تدبير الزعماء والحكام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد".
وكم  دول تعيش اليوم تحت خط الفقر ولا علاقة للسماء ولا للأرض فيما هم فيه من مجاعة ! يعمل فيهم التاريخ كعمل الزرع في دورته من البداية حتى النهاية؛ يُزرعون ويحصدون فيُطحنون ويعُجنون ويخبزون ليأكل الأغنياء في الأخير بأبخس الأثمان .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .


*  *  *  *

وقد يصيب الانسانَ البلاءُ  في صحته فكما يحس الكثيرون بأن العافية هي رأس مال الحياة لذلك لا يمكنهم التفريط فيها ولو بكنوز الدنيا ذهبا ، وكم من سليم البدن مرشوق القَوام غافل ينسى أن معه نعمة يحسده عليها الكثيرون ، والانسان عادة لا يفكر الا فيما يفقد .
ما أضعف ابن آدم!  تراه طويلا عريضا متماسك البنية قويٌّ متين،  قد يحسب نفسه الجبلَ الأشمَّ رافعا أنفه عاليا يناطح السماء، فان أصابته شوكة أو لسعته عقرب رأيت الدمع يجري من خده كأنه طفل رضيع! فينزل من برجه العاجي الى أرض المذلة منطرحا أمام قوة الله مستعطفا مسترحما  مقرا بالضعف والهوان.
جاء في الحديث : (الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه الا المرضى ) ، فليس هنالك نعمة يحسد عليها المريض أحدا من الناس مثل نعمة العافية ، ولربما تمنى  الغني صاحب الجاه والنفوذ عند تلك اللحظات أن يكون مثل ذاك الفقير المرقعةِ ملابسُه لما يرى من أثر نعمة العافية تسري في عروقه ، والفقير عابس الوجه ليس له من الهم الا كيف يدرك ما عند الغني وقد نسي أنه عنده من الخير ما هو محسود عليه .  ! 

يروى أن عبد الملك بن مروان لما جرَّعه مَرضُ الموتِ غُصص المرارة ، نظر من شرفة قصره الى فلاح يحرث أرضه بهمة ونشاط ، فقال عبد الملك يا ليتني ما كنت ملكا ، يا ليتني كنت فلاحا لا لي ولا علي،  يا ليت أمي لم تلدني ..
فوصل الخبر سعيد بن المسيب رحمه الله فقال :  الحمد لله الذي جعلهم يتمنون مقامنا عند موتهم ولا نتمنى مقامهم عند موتنا.

ويحكى أن هارون الرشيد أدخل عليه أحدا من الوعاظ يذكره بالله وعمل الاخرة : فقال له يا أمير المؤمنين : أتُرى لو أن شربة من الماء حُبس عنك شُربها أكنت مفتديها بنصف مُلكك ؟  قال:  بلى . قال أرأيت إن حبس عليك إخراجها أكنت مفتديها بنصف ملكك الآخر ؟ قال : بلى . قال الواعظ : فلا خير في ملك لا يساوي شربة ماء .
وفي عصرنا هذا يدفع الأغنياء أموالا طائلة لشراء كِلية أو زراعة قلب أو استبدال عضو بآخر ، ويمشي الكثيرون وقد علقوا على صدورهم أنابيب يستنشقون منها هواء مصطنعا ينفذ الى صدورهم يقاومون به في ألم ما تبقَّى لهم من عُمُر ، وآخرون يعيشون بلا حركة ، ويأكلون بلا لذة، ويشربون ويخرج الماء من غير منفذه المعتاد ، وان زادوا جرعة فوق ما وصاهم به طبيبهم من دواء رأيتهم بعد ذلك جثثا معفنة ولحما ممزقا في منظر مرعب .
والصحيح المعافى لو نظر الى مثل هؤلاء  يسارعون القدر من أجل البقاء، لرحم نفسه بعمل يرتاح به قبل أن يصير الى ما صاروا اليه، ولكن الناس قليلا ما يتعظون حتى اذا  ما حان موعدهم لدخول مختبر القلوب  فلا تجد فيهم صبرا على تحمل أو جلدا على عناء ، فيسلمون أنفسهم للشكوى والريبة ، ويتهمون القدر بقسوة القلب وفساد الضمير !!
*  *  *  *
ولعل أعظم خديعة يخدعُ بها الزمانُ الناسَ في  عصرنا هذا الأباءَ والأمهاتِ في أبنائهم ، تحت ظلال فتنٍ منظمة تشرف عليها جمعيات وهيئات ومنظمات، وتُصرف من أجل إفساد الأخلاق ونشر الرذيلة وتشويه الأذواق أموالٌ طائلة . والآباء يفنون أعمارهم  يخططون ويدبرون لأبنائهم كيف يعيشونهم الحاضر في رفاهية ويضمنون لهم المستقبل في اطمئنان،  فيجمعون "الأورو" بعد أخيه خوفا من غدر الزمان . لكنه يأتيهم من جهة أبنائهم لا من جهة أموالهم، فاذا أرادوا حصيلة ما جمعوا وجدوا كيانا مشتتا :  عاطفة فارغة وعقل متخلف وايمان مخجل بالفضائل ، وهوية ممزقة ولغة مضحكة ... فعبثا بعد ذلك يحاولون لم شعث هته الأجزاء المتفرقة  التي أخذ منها الشارع جزءا والمدرسة جزءا والاعلام جزءا وأصحاب السوء الجزء الأوفر . فهذا الكيان الصغير المُبعثر لا يصلح لشيء من جد الحياة إن لم يكن هو فساد الحياة كلها بعد ذلك . حقائق قد يغفل عنها الآباء وهي أمامهم ينظرون اليها باستمرار بين باقي البشر، ولكنهم يعتقدون أن الناس غير الناس ويظنون أنهم ان أداروا ظهراً لأسباب الكون سوف يعجز عن رؤيتهم،  فلا يلبثوا مليا حتى تلطم وجوههم الأقدار بالقاصمة ما لها من عاصمة .
*  *  *  *
ان الدهر لا يتغير بالناس الا بما فيه من أسباب التغيير ففيه معاني الصلاح والفسادِ نفسَ الوقت. والكل يأخذ نصيبه باختياره التام، والله تعالى خلق الارادات ولكنه لا يزودها الا بما تريد وتشتهي .  {ولا يظلم ربك أحدا} ، قد يمد الكثيرون أصابع التُّهم الى القدر مشككين في حسن تدبيره ! فكأنما الأقدار تسللت خلسة في الظلام وهم نيام فنقلتهم من حيث لا يشعرون الى ما لا يريدون ، فسرقت منهم أحلامهم المعسولة وأمانيهم  الكسولة .
وطبيعة البشر في كل زمان ومكان أنهم عادة لا ينسبون لأنفسهم الا الخير وحسن التدبير ، فان حالفتهم قسمة مسنونة محكمة بما يريدون عدُّوها ذكاء وتخطيطا وقدرة وقوة على مخادعة الطبيعة . وان جاءهم البلاء وجهده كانوا أضعف من أن يقروا بالخذلان ، أو يعزوا الى أنفسم النقصان ، وأشاروا الى الصدفة أنها لم تؤيدهم أو الى الحظ أنه لم يواتيهم ، وحتى يرتاحوا بالجملة من تعب الضمير ومراجعة النفس ينسبون الى القدر العبثية والفوضى ، فالقدر في نظرهم أحمق لا يعقل !  قد يظهر من حركته أنه كذلك في بعض الأحيان بعدم تفرقته  بين ظالم ومظلوم وشاب ورضيع وجائع ومتخم وفقير ومترف ...!
قد نسخط أحيانا لأن عزيزا علينا انتشله الموت من بين آلافِ من نعرف ، أو نستغرب عندما تنشق الأرض فتبلع الضعفاء  والمساكين وتترك الأغنياء والمترفين يتنعمون ، أو نحنق مرة لأن قاصفا من الريح اختار الأشقياء المستضعفين دون المستكبرين !!
قد يقوم الكثيرُ من رجال الدين فيقولون بأن الله يصفي الحسابات مع الذين لا يؤمنون أو ينتقم من أهل الفساد في الأرض ، ولكن عندما يصاب بنفس الأسبابِ الذين يؤمنون والذين يصلونَ هناك يبلع الكثيرون ألسنتهم في حيرة !
وقد يعتقد بعضهم جحودا أن الكل قد اجتمع ضدهم ؛ "الله والناس والطبيعة" ، فمن خُلق في نظرهم  لينال الشقاء فلن يجد السعادة مهما حاول إلى ذلك من سبيل ، ومن اختيرت له السعادة فلن يشقى ولو اضطرب الكون ضده تظل له لصيقة لا تحيد!!

سوف يظل الناس يجادلون من غير طائل حول مكنون تقلب الأقدار  وأسرار تغير الأحوال ، وأظن في الأخير أن كل واحد سوف يعطي لنفسه تفسيرا  يليق بتجربته مع أزمته الخاصة ، والقَدَر لا يحابي أحدا فهو عابر يعمل عمله بإتقان محكم ، علم الناس ذلك أم لم يعلموا ...

 

ذ. محمد بنعبد الرحيم
9-02-2010

 
 

spacer
LA LIGA DE IMAMES DE ESPANA